السيد كمال الحيدري
62
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
على أنّ الأمر بالسجود - كما عرفت - أمرٌ واحدٌ توجّه إلى الملائكة وإبليس جميعاً بعينه ، والأمر المتوجّه إلى الملائكة ليس من شأنه أن يكون مولويّاً تشريعيّاً ، بمعنى الأمر المتعلّق بفعل يتساوى نسبة مأموره إلى الطاعة والمعصية والسعادة والشقاوة ، فإنّ الملائكة مجبولون على الطاعة ، مستقرّون في مقرّ السعادة ، كما أنّ إبليس واقع في الجانب المخالف لذلك على ما ظهر من أمره بتوجيه الأمر إليه . فلولا أنّ الله سبحانه خلق آدم وأمر الملائكة وإبليس جميعاً بالسجود له ، لكان إبليس على ما كان عليه من منزلة القرب غير متميّز من الملائكة ، لكن خلق الإنسان شقّ المقام مقامين : مقام القرب ومقام البُعد ، وميّز السبيل سبيلين ؛ سبيل السعادة وسبيل الشقاوة » « 1 » . وقال في موضع آخر : « وبالجملة يشبه أن تكون هذه القصّة التي قصّها الله تعالى من إسكان آدم وزوجته الجنّة ، ثمّ إهباطهما لأكل الشجرة كالمثل يمثّل به ما كان الإنسان فيه قبل نزوله إلى الدنيا من السعادة والكرامة بسكونة حظيرة القدس ومنزل الرفعة والقرب ودار نعمة وسرور وأنس ونور ورفقاء طاهرين وأخلّاء روحانيين وجوار ربّ العالمين » « 2 » . نوع آخر من المثل القرآني هناك نوع آخر من المثل القرآني غير الذي تقدّم في الفقرة السابقة توفّر عليه القرآن الكريم بنحو واسع وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 8 ص 23 . ( 2 ) المصدر نفسه : ج 1 ص 132 .